إبحث عن موضوع

خيوط الشر

- أبوك اتجنن يا أشرف خلاص، عقله فوت، والعجز نهشه، بعد العمر ده كله عايز يدي كل حاجة لعيلة ملهاش لازمة..

_ انت عايز تحجر على أبوك يا صادق؟!..

- لا، دي موضة قديمة، أنا عندي طريقة تانية أقوى من كده بكتير، ومن بعيد لبعيد..

ده كل اللي قدرت اسمعه من كلام صادق وأشرف اخواتي الكبار، ولما حسيت انهم ممكن يلمحوني ويحسوا بيا، مشيت بسرعة من ورا الباب ونزلت على تحت على طول..

بابا اتجوز ماما بعد ما مراته أم أشرف وصادق ماتت، وأنا كنت نتيجة الزواج ده، لقيت نفسي منبوذة من 2 رجالة ضعف عمري تقريباً ويمكن أكتر، ولما كبرت شوية لقيت نفسي منبوذة من زوجاتهم وعيالهم اللي سنهم من سني تقريباً، لكن بابا كان بيهون عليا وبيقف في وشهم لو حد ضايقني، ومن سنتين ماما ماتت، وبابا كبر، وبقيت حاسة ان النهاية قربت، وإن بابا حصل له أي حاجة، هلاقي نفسي في الشارع...

وده أتأكد جوايا بعد ما سمعت بالصدفة كلام أشرف مع صادق في بيت العيلة القديم، طلعت من تحت أجيب شنطتي عشان كنت همشي، وسمعتهم بيتكلموا، ولما حسيت انهم ممكن يحسوا بيا وأنا واقفة ورا الباب، جريت ونزلت تحت..

أنا معرفش هما بيدبروا ايه بالظبط، واللي بيدبروه ده، ليا ولا لبابا، ولا لينا احنا الاتنين؟!!..

أول ما نزلت لقيت بابا بيقولي:
يلا يا لمياء عشان لازم نمشي..

فضلت 3 أيام الموضوع مسيطر على عقلي، لدرجة اني مبقتش انزل من البيت ولا بروح جامعتي، مكنتش قادرة أركز في أي حاجة، كل اللي كان شاغل عقلي التفكير في الموضوع ده، وأنا بكرر سؤال واحد على نفسي: يا ترى الشياطين دول بيدبرولنا ايه؟!، لكني حاولت اني اسيطر على نفسي، واسيب الأمور تمشي زي ما ربنا كاتبها، ونمت بعد ما خدت القرار اني اطرد من عقلي أي أفكار سيئة...

تاني يوم صحيت على الظهر كده، بابا كان في المحل بتاعنا كالعادة، وانا عملت قهوتي وقعدت اتفرج على التليفزيون، وعلى العصر بابا جه، بس مكنش لوحده، اتفاجئت انه راجع ومعاه صادق!!، اول حاجة قولتها في نفسي: هو ايه اللي جابه ده؟، قلبي اتقبض اول ما شوفته، وحسيت كأن حد حط حجر على قلبي، لكني حاولت مبينش خضتي ولا خوفي، ودخلت المطبخ اعملهم شاي، ورجعت قدمتهولهم، ودخلت اوضتي..

قفلت على نفسي الباب وبعد شوية سمعت صوتهم بدأ يعلى، ساعتها خوفت جدا، حطيت الهاند فري في ودني عشان مكنتش عايز احس اني خايفة بالشكل ده ومسمعش هما بيقولوا ايه، ومحستش بنفسي، تقريباً من كتر الخوف نمت..

لما صحيت كان الليل دخل، يمكن بعد العشاء، اول ما فتحت عيني، كان وشي للحيطة وضهري لباب الاوضة، واول ما التفت، لقيت في وشي واحد واقف وباصص لي!!، قومت صرخت وفضلت أصوت، لقيت بابا جاي بيجري مخضوض وكان باين عليه انه هو كمان كان نايم، حضني بعد ما ولع النور وفضل يهديني ويستعيذ بالله من الشيطان، مكنتش قادرة اتلم على نفسي، جسمي بيرتعش، وصورة الراجل اللي ملوش ملامح ده مش مفارقة عنيا، انا اول ما صرخت اختفى، ومعرفش كان بجد ولا بيتهيألي، بس كل اللي حسيته، ان في حاجة مش مظبوطة، وبعد ما بابا فضل يقرأ قرآن وانا في حضنه سألته:

هو صادق مشي امتى؟، هو فيه حاجة حصلت؟!..

لقيت بابا باس دماغي وقام وهو بيقولي:

لا يا حبيبتي مفيش حاجة حصلت، متشغليش بالك، انا هدخل اعمل قهوة، وهعملك قهوة من ايدي، بدل الصايصة اللي بتفضلي تشربهاني دي..

 بابا الله يديله الصحة، وبرغم انه قرب من ال80، الا انه بيحافظ على صحته وأكله ونومه، حاولت اقوم انا اعمل القهوة لكنه رفض وصمم يعملها هو ...

راح بابا على المطبخ، ورجعت أنا قعدت على السرير وفضلت باصة في اتجاه باب الأوضة، كان جوايا احساس ان الراجل اللي شفته ده هيظهر فجأة، أو أنه موجود معايا فعلا!!. رجع بابا بالقهوة وفضلنا نتكلم شوية وبعد ما خلصنا رجع اوضته من تاني عشان ينام.

مسكت موبايلي وبدأت اكلم صحباتي واتصفح النت كالعادة، وفجأة سمعت صوت خروشة جاي من الصالة!، انتبهت وقعدت على السرير ووشي للصالة، ندهت:
بابا. انت بره؟!. مردش عليا، كررتها مرة واتنين وبردو مردش عليا!!..

اتعدلت وبصيت ناحية اوضة بابا اللي بشوف باباها لما بكون قاعدة على سريري، ورجع احساس الخوف يمتلكني من تاني، جسمي تلج، وضربات قلبي زادت بطريقة غريبة، وفجأة شوفت منظر مرعب عمري ما هنساه في حياتي!!، راجل واقف بضهره وسادد باب أوضة بابا، وبرغم انه مديني ضهره ووشه للأوضة، إلا أنه ملامحه في دماغه من ورا، عنيه مشروطة بالطول ولونهم أزرق زي لون الكدمات!!، ملوش مناخير، وبؤقة خارج منه نابين كبار، وأسنان كبيرة مخروطية مدببة، والدم سايل منها كأن الدم ده لعابه الأساسي!!، كل ده كان لمجرد ثواني، واقفة ومش قادرة اتحرك وكأني انعزلت عن العالم، في حاجة بتجبرني اشوفه، جسمي متخشب، بحاول اصرخ، او أقرأ قرآن، ونسيت كل حاجة..

اختفى المشهد، لكن ما اختفاش احساسي بالخوف، وفضلت منعزلة، مش قادرة اتحكم في نفسي، انا مجرد عنين شايفة وبس، وباقي حواسي مش حاسة بيهم، بعافر من جوايا عشان اصرخ، وحتى بوقي مش راضي يتفتح كأنه ملزوق في بعض!!!..

سمعت صوت الخروشة من تاني، بس كان في السقف، في سقف اوضتي، رفعت عيني ناحية الصوت، لقيت عنكبوت مرعب، حجمه أكبر من كلب ضخم من كلاب الشارع، وملامحه هي هي ملامح الراجل اللي ظهر من شوية!!، كان عمال ينسج خيوط غليظة وبيقفل بيها باب اوضتي وهو بيضحك بيصدر صوت مخيف، زي ضحكة مرعبة تخلع القلب، ولعاب الدم سايل منه وبينقط على الأرض، مرة واحدة صوتي خرج وصرخت، والمشهد اختفى وجه بابا يجري مفزوع زي المرة اللي فاتت، وانا لما صرخت كنت قومت من النوم، مكنش حقيقة، ما هو لو كان حقيقة وشوفت كل ده، كان قلبي هيوقف وهموت...

سألني المرة دي بابا بحزم:
في ايه؟، مالك يا لمياء احكي لي؟!..

محبتش احكي حلم وحش، لكني طمنته وقولت له انه بس مجرد كابوس، واني هرجه انام تاني بعد ما اشغل قرآن جمبي، فضل قاعد معايا شوية وبعدين قام، وانا شغلت القرآن وسألت نفسي:

هو انا ليه مقولوش على الكلام اللي سمعته ما بين صادق وأشرف؟، ولقيت اجابة جوايا بتقولي: اني ممكن اوقعهم في بعض، حتى وان سمعت مينفعش انقل الكلام، واجابة تانية عكسها بتقولي: ما ممكن يبقى ربنا بعتك في الوقت ده تحديدا عشان تسمعي وتعرفي انهم بيدبروا شر ليكوا ولازم تقولي وبابا يعرف..

أثناء التفكير عيني جت بالصدفة على سقف الأوضة من ناحية الباب، ولقيت بواقي خيط العنكبوب متعلق في السقف، خيوط غليظة سايل عليها دم!!!..

قومت جريت وانا بصرخ ودخلت على بابا الأوضة، لكن المرة دي كان الوضع أغرب!!، بابا كان في سابع نومه ومصحيش على صرخاتي!!، وغلبني شعور ساذج اني اسكت ومصحيهوش، واني اكيد بتخيل كل ده، انا بس بفكر كتير وخايفة، حاولت اقنع نفسي بكده ورجعت خرجت من أوضة بابا، دخلت الحمام اتوضيت وخرجت صليت في الصالة، طول الصلاة حاسة ان فيه حد بيتحرك حواليا، أصوات خربشة وخروشة في كل مكان، إلا ان المرة دي كنت مطمنة لاني كنت بصلي، وبعد ما خلصت صلاة، فضلت قاعدة شوية ادعي، وبعدها قومت دخلت اوضتي، والقرآن كان شغال زي ما هو، بصوت واطي، عليته أكتر، ومحستش بنفسي ونمت...

تاني يوم صحيت كالعادة مع آذان الضهر، بابا كان نزل الشغل، دخلت الحمام خدت دش ورجعت لأوضتي، اول ما دخلت حسيت ان في قوة معايا في الأوضة!!، احساس بالضيق كان بيخنقني، لدرجة اني مكنتش قادرة اخد نفسي، ولقيت مكتوب على مراية اوضتي:

(اقنعيه ما يعملش اللي هو عايز يعمله، وإلا..).

اختفت الجملة من على المراية فجأة، زي ما ظهرت فجأة!!، واتملى سقف الأوضة بخيوط عنكبوتية غليظة!!، والدم بينقط منها على الأرض وعليا، مكنتش عارفة اتحرك، جسمي كله غرق بالدم، والأوضة كمان، فضلت اصرخ واصرخ... لحد ما، لحد ما لقيت نفسي على السرير ومفزوعة، اتفزعت من نومي، وبابا جمبي وبيحاول يهديني وهو بيقولي:

أنا لازم أعرف مالك، لازم تحكي لي ايه سبب فزعك ده، وايه مخليكي نايمة كده لحد العصر؟!..

يعني أنا ما قومتش أصلا!!، ده السؤال اللي سألته لنفسي بعد ما بابا خلص كلامه، وملقتش قدامي أي حل تاني غير اني احكي له كل اللي حصل، لان أكيد اللي بمر بيه ده، ليه علاقة بأشرف وصادق ولاني افتكرت حاجة مهمة ربطت معايا الأحداث ببعض، لأن تاني يوم سمعت فيه كلام أشرف وصادق، لقيت الباب بيخبط اول ما صحيت، ولما فتحت لقيت مرات صادق أخويا، ولما حست اني اتفاجئت بزيارتها، قالت لي انها كانت رايحة مشوار قريب مننا ولما خلصت بدري عدت علينا، كانت تعبانة ودايخة ومحتاجة ترتاح، ولما دخلتها طلبت مني اعملها لمون او ماية بسكر عشان حاسة انها مهبطة، وفعلا دخلت المطبخ عملتلها لمون، بس لما رجعت وادتهولها، مرضيتش تشربه، قامت مشيت وقالت انها بقت كويسة!!، مدتنيش فرصة حتى اقولها اي كلام...

كملت كلامي بعد ما حكيت لبابا كل ده، بداية من اول ما سمعت أشرف وصادق بيتكلموا مع بعض، ولحد ما سهيلة مرات صادق مشيت، لحد ما صادق جه زارنا وبعدها لقيت نفسي بحلم بكل الحاجات المرعبة دي..

لقيت بابا سرح شوية والحزن احتل ملامحه، وقال بنبرة كلها حسرة:

أنا كنت عارف انهم مش هيسكتوا، انا خلفت شياطين مش بني آدمين، وللأسف معرفتش اربيهم، عوضي على الله فيهم، بص لي وكمل بنفس النبرة:

بصي يا بنتي، في حاجات كتير ملوش لازمة الكلام فيها، بس الأهم دلوقتي تعرفي اني مش باقيلك، وان كل يوم بيعدي، النهاية بتقرب، والعمر بيقل، والموت جاي جاي، في أي لحظة، عشان كده انا أمنت لك حياتك الجاية، لاني مفارق قريب، ولو سبتك ليهم هيرموكي في الشارع، وهياكلوا حقك، هوصيكي، اول ما اموت تروحي لعمك أسامة السيد المحامي، وهو هيديكي حقك، وتبدئي حياتك بعيد، بعيد عنهم نهائي، وبرضه هما ولادي وما كلتش حقهم، لكن لو مكتبتلكيش حاجة، مكنتيش هطولي ولا جنيه واحد، حتى كانوا هياخدوا الشقة دي منك ويرموكي في الشارع...

عنيا دمعت، بكيت وحاولت ارد عليه لكنه مدانيش فرصة، مسح بايديه دموعي، وباس جبيني، ولاول مرة اشوف الدموع محبوسة في عنيه، ولما اتكلم كان باين ان الدموع مسجونة جوه صوته ورافصة تخرج:

سهيلة دي شيطان، وانا عارف انها رمت حاجة هنا جوة شقة، لاني عارف انها كان ليها سكة زمان في طريق الد.جل والأعمال والس.حر، عشان كده لازم نقوم أنا وانتي ندور كويس في كل ركن، واكيد هنلاقي حاجة غريبة جوه البيت، لاني برضه كنت بشوف كوابيس، وحاسس ان فيه ضيق وحالة سيئة جوه البيت...

سمعت كلام بابا، وقومنا أنا وهو ندور على أي حاجة غريبة في الشقة، ومدورناش كتير، لان تفكيري وداني اني ادور جوه الفازات الصغيرة اللي في مكتبة الصالة، ومع تالت واحدة، لقيت جواها كيس بلاستيك جواه دم بدأ يطلع منه ريحة بشعة، وجواه عنكبوت ميت!!...

صرخت من المنظر المقرف المرعب، وجه بابا من اوضته واخد مني الكيس وهو بيقول:

استغفر الله العظيم يارب، وفضل يكررها كتير، وبعدها طلب مني مخافش، واقعد استناه لحد ما يرجع، واخد الكيس ونزل...

وبعد ساعتين رجع ومعاه الشيخ سيد صديقه، وبدأ الشيخ سيد يقرأ الرقية الشرعية، وبعد ما خلص طلب مني اني امسح البيت كل يوم بماية بملح واشغل دايما سورة البقرة...

من بعد اليوم ده ومرورا بسنة كاملة مفيش حاجة حصلت خالص تاني، ومفيش حاجة ظهرت، وهما دايما كانوا بعيد عننا، لكن من شهر واحد بس، بابا مات، وانا بقيت لوحدي، وبرغم انه فعلا ساب لي شقة باسمي في مكان بعيد عن اخواتي، وفلوس كتير تأمن حياتي، إلا أن ده ميعوضش لحظة واحدة كان فيها جمبي، ولا حنيته اللي متتعوضتش بأي حاجة تاني في الدنيا...

كان عنده حق، انا لو كنت فضلت يوم واحد بعد موته كانوا قتلوني، ووصاني انه اول ما يموت امشي واروح للمحامي، وما اظهرش ابدا حتى في دفنته، وطمني لما رفضت طلبه ان هيجي الوقت اللي نتجمع فيه تاني في دار الحق...

ومن بعد كل ده لقيت نفسي واقفة قدام سؤال ملوش اجابة نهائي:

ليه الإنسان ملوش هم غير الدنيا، الموت بيجي في اقل من اللحظة، وبرغم ان كل واحد فينا بيشوف في غيره العبرة، إلا أنه بيغفل عنها، ويكمل في طريق شيطانه!!..

تمت..
خيوط الشر

#فهد_حسن

ليست هناك تعليقات