إبحث عن موضوع

داخل عيدان الدره

انا طبيب أمراض جلدية, و كأي دكتور حظه وحش, إتنقلت للريف..
انا مش قصدي إن الريف وحش ولا أهله وحشين, بالعكس, القُرى الريفية أهلها طيبين و الحياة هناك جميلة, لكن أي دكتور بيروح هناك, لازم يكره نفسه, و السبب مش هينفع يتقال.

أول يوم ليا ف البلد اللي مش هقدر أذكر إسمها, كان يوم مُرهِق, و الحالات كتير, و إكتشفت إني أول دكتور أمراض جلدية يدخل البلد دي, و كنت حاسس إن أي حد شاف ف وشه أو إيده بثرة أو بُقعة بيضاء أو غيره, بيجي ع طول عليا..

لحد اليوم ما خِلص, و جه وقت إني انام..
مكان السكن بتاعي كان ف المستشفى, أو لو صح التعبير في الوحدة الصحية, كان ليا أوضة خاصة بيا, فيها تلاجة و حمام و سرير, هي أه مش أوضة الأحلام, بس أهو أحسن من مفيش..

انا نسيت أقول لكم إن مكان الوحدة الصحية اللي انا شغال فيها, ف وسط الأراضي الذراعية, و كان ف الوقت ده الشتا ف عِز ذُروتها, و حسيت إني عايز أشرب كباية نسكافيه سُخنة, و أتفرج ع السما الصافية و القمر و هو بيطُل ع عيدان القصب الكثيفة..

و بالرغم إن الجو كان برد, إلا إني فتحت الشباك و قلت أتفرج شوية..
و هنا لاحظت إن ف صوت حاجة بتتحرك ف عيدان القصب, ف الأول قلت إن ده بسبب الرياح, بس لما الأمر إتكرر تاني بصيت بتمعُن أكتر, عيدان القصب كانت بتتحرك بشكل غريب, فبصيت تجاه مصدر الحركة, و بما إن المكان اللي انا فيه كان ف الدور التاني, فكنت شايف بوضوح إن ف شخص بيتحرك جوا !!

فكرت إني أنادي عليه, بس قلت ف نفسي أسكت أحسن و أشوفه رايح فين, و هنا لقيته بيخرج برا عيدان القصب, الرؤية من مكاني كانت صعبة, لكنها مش مستحيلة, و ع ضوء القمر, ركزت شوية ف ملامحه..

و أكاد أُجذم إن وشه كان فيه بعض اللحم مش موجود !
و مكانها تجويفات فاضية و شكلها مُرعب..

من شدة التركيز و الصدمة, الكباية وقعت من إيدي من الدور التاني للأرضي ع أرض سيراميك, و ف ثانية صوتها دوى ف كل حتة لما إتكسرت..

الشيء ده بص ناحية الكباية و بص لفوق, و شافني..
و لقيته بيجري بسرعة و بيستخبى جوا العيدان تاني, و شوفته و هو بيجري بسرعة و بيهرب..

اليوم ده عدّى عليا زي الكابوس المُرتبط بالجاثوم, نمت و حِلمت بكل حاجة..
شوفته بيخرج من العيدان... بيقف... بيبص لي بشر و حقد... بيجري ناحية الوحدة الصحية... بيخرج منه صوت حشرجة... بيخبط ع الباب بعنف... بينادي عليا بإسمي..
لحظة واحدة, بينادي عليا بإسمي ؟!!

و هنا صحيت من النوم ع صوت المُمرضين و عُمّال النظافة و هما بيدخلوا المكان و بينادوا عليا, قمت من ع السرير, و غسلت وشي.., و بدأت العمل من تاني..

و ف وقت الإستراحة, سألت واحد من الممرضين عن شيء غريب بيحصل جنب الوحدة, ف الأول هو مفهمش, لكن لما شرحت له, قال لي:
- اااه, لا ده بيظهر للناس كلها, كل اللي بيروح الغيط بتاعته ف الليل بيشوفه.
فقلت له:
- طب و بيعمل إيه؟
- ولا حاجة.., هو بيظهر للناس, و بعد كدة بيجري و بيستخبى ف الضلمة, لكن مش بيأذي حد.
- طب ف حد شاف شكله؟
- اه كتيييييير, الكل بيقول إن لحم وشه من موجود, إيده عبارة عن كف مفيهاش صوابِع, و عينه اليمين مفقوعة, و انا سمعت إن له قصة بيتداولها الناس هنا.
قلت له ف حرارة:
- إيه هي القصة دي؟
إتنهد و قال لي:
- بيقولوا إن ده واحد كان رايح الغيط بتاعته ف الليل, و النداهة طلعت له, و لما رفض يروح معاها, غضبت منه و قتلته, و مثلت ع جثته, و سابته مُشوه بالطريقة دي, و من ساعتها بيظهر للناس ع آخر هيئة مات عليها.

الإستراحة خِلصت و قُمنا نكمل شغل, و ف آخر اليوم, بعد الكل ما مشي, قفلت نور الوحدة و أخدت معايا الكشاف بتاعي, و خرجت برا و قعت ف حتة ضلمة, و من سوء حظي إن اليوم ده كانت السما مليانة غيوم..

و فصلت قاعد مستنيه يظهر, عدت ساعة, و نص دخلنا ف ساعتين..., لا كدة مابقاش ينفع, انا إيه اللي انا بعمله ده, انا هقوم أدخل جوا..

لكني وقفت عند الباب, و قلت لنفسي..
طب منا أتمشى شوية يمكن أقابله.., و بالفعل..

شغلت الكشاف بتاعي و مشيت, صوت صراصير الغيط, وحفيف أوراق عيدان القصب, و الهوا اللي كان بيعوي زي الذِئاب, و صوت خطواتي ع الأرض..
فيلم رعب عايش تجربته بنفسي..

إتمشيت شوية..
و لما حسيت بيأس, قلت هرجع تاني, لكن..
انا فين؟
وفين طريق الوحدة؟
انا توهت!

وقفت أتلفت حولين نفسي.., انا غبي انا غبي, إيه اللي خلاني أقفل نور الوحدة كله, دلوقتي انا مش عارف هرجع إزاي..

و من وسط عيدان القصب, سمعت صوت حد بيتحرك !

دمي هِرب كله, حسيت بالبرد بيجتاح جسمي, و بالهوا اللي ف المكان بأكلمه بيضرب ف بؤبؤ عيني و انا فاتحها ع آخرها بخوف..

سلطت الكشّاف تجاه مصدر الصوت, إيدي كانت بترتعش, الصوت بيقرب, الجسد الأسود بدأ يبان وسط العيدان, بيقرب ناحيتي..

مش فاكر بصراحة إن رجلي كانت موجودة ساعتها ولا لأ, لأن مُخي كان مُشتت للغاية..
كنت واقف مكاني زي الصنم, و من وسط العيدان ظهر..

بص لي و هو جوا, الكشاف جه ع وشه, شوفت الفجوات الخالية من اللحم, شوفت عينه المفقوعة..
رفع إيده ناحيتي جنب وشه, كأنه بيلقي بالسلام عليا,
شوفت كف إيده الخالي من الصوابع..
أو للتدقيق, هو كان ف بواقي صوابِع صغيرة معقوفة !
كان لابس جلابية متقطعة, مليانة بُقع زيتية, و طبعًا مش محتاج تفكير, أكيد ده دم !
يعني حكاية النداهة و إنها قتلته و إنه بيظهر ع آخر هيئة مات عليها, كل ده صحيح..

فضلت واقف باصص له بثبات, مش عارف أعمل أي حاجة..
حسيت إن مُخي بدأ يشتغل, و اللوزة الدماغية أخيرًا أحست بالخطر, و إنطلق الأدرنالين ف عروقي, و هنا إكتشفت إن رجلي كانت موجودة بالفعل, و هممت بإطلاق العنان ليها..

لكني سمعت صوته:
- إستنى لو سمحت.
وقفت مكاني, صوته كان طبيعي, و أظن مفيش عفريت هيكون بالأدب ده, بصيت تجاهه, فقال لي:
- انا عرفت إنك دكتور, انا مش عفريت.
فقلت له بصوت مُرتعش:
- بب..بس انت بتظهر للناس و تختفي ففف..في الضلمة, و... و...
قال لي:
- انا مش عفريت صدقني, و أقدر أحلف لك ع مُصحف.
رديت عليه:
- امال إيه حكاية النداهة اللي قتلتك دي؟
ضحك, و قال لي:
- أنت ف الريف, و هنا الخرافات زي الرز يا دكتور, و انا مش ميت, انا عندي مرض خبيث, و مش هو اللي عمل فيا كدة, تعال قرّب مني ماتخافش.
أحكمت قبضتي ع الكشاف و قربت منه.., بشرته كان بالظبط زي اللي عنده الصدفية, لكن المرض ده انا عارفه, ده مش صدفية, لاااا..
ده مرض الجذام !

فقلت له:
- انت مريض بالجذام..
فقال لي:
- معرفش, بس انا لما لقيت شكلي بدأ يبقى كدة, قلت أبعد عن الناس خالص عشان محدش يخاف مني, و بنيت لنفسي مكان هنا بعيش فيه, و بطلع ف الليل أجيب لنفسي أكل, و لما حد يشوفني بجري أستخبى منه, و كل مدى حالتي بتسوء.
طلبت منه يرجْعنا الوحدة الصحية عشان خاطر هو اللي عارف الطريق, و هناك كشفت عليه, و طلع فعلًا تشخيصي صح, هو مريض بالجُذام, و كُتر الإهمال, خلّى المرض يتسبب ف تشويه جسمه, و بسبب إن مفيش دكاترة جلدية جت البلد دي قبل كدة, فمحدش عالجه، و حالته تدهورت..
انا بعته لمصر يتعالِج هناك.

و ع فكرة ف قُرى كتير مُصابة بأمراض عِدّة, لكن محدش يعرف عنهم حاجة, و كل ده عشان أصحاب الضمائر بقوا قِلّة قليلة, و الكل عايز يشتغل ف بلد مُتطورة, مش عايز يشتغل ف مكان يسوده الجهل وقِلة الحلية..

أظن الرسالة وصلت.

*تمت*

ليست هناك تعليقات