إبحث عن موضوع

صراط اعوج

لم أتجرع يومًا طعمه على الرغم أنيَّ أذقته لكثير من الناس!

ربع قرن قضيتهم في اغتصاب أرواح الناس  لن أتحرى الكذب وأقول لك أنيَّ كُنت مجبرًا على فعل ذلك، بل كُنت أفعل ذلك بكامل أرادتني، وبكامل قوايّ العقلية.

اليوم أتممتُ الثلاثين عام  من الحرث في تلك الحياة، حقيقي مللتُ من كل شيئ،  فشخص مثلي، قضى أكثر من نصف قرن يَحصُد في أرواح البني آدميين، للأسباب خاوية ليس لها أصل و لا معنى إلا لدي أنا.

القتل بالنسبة ليَّ غير انه كان وظيفة، تأتي بثمار لم ولن كانت تأتيني إلا بالشروع بالقتل.

أحببتُ أن أراهم وهم ضعفاء أمامي، ليس لهم حيلة.. أمانيهُم الوحيدة هي  الاستشهاد وطلب المغفرة ليس إلا.

أعلم ما يدور بخاطرك الآن أيها القارئ العزيز.. لكن يجب أن تُدرك تمامًا أنيّ ما كُنت أسفك دماء بريئة إلا ما حدث ليّ في طفولتي.

حين ترى أبويك وهم يُذبحون أمام أعينك، على يد عصابة مَّا وتكن أنتَ الناجي الوحيد، حينها كان وجب عليَّ أن أسلُخ جلدي الآدمي، حتى أكسو لحمي بجلد الافاعي،  لأتمكن من أخد ثأر والداي.

و من الواضح أنيّ أحببتُ القتل فبعد عشرين عام من مقتل والداي -و بالطبع لم أتمكن ممَن قَتلُهم- لكني عملتُ كقاتل أعرض خدماتي في مواقع -مجهولة الهوية- تُسمى الدارك ويب، ولن أخوض في الحديث عنه لانه الكثير منكم -إن لم يكُن الكُل سمع يومًا عن هذا الموقع- .

وجدتُ الكثير من الطلبات، لم أكُن أرفض عمل واحد، كنتُ أوافق على كل طلب.. حقيقي بدتُ احمقًا فعلًا، وكأني حيوان مفترس؛ كُل مَن أقابلهم اقتلهم دون تفرقة.

ظللت على هذا الحال إلا أن في يوم قد قُبض عليَّ.
حُكم عليَّ بالإعدام، وها أنا هنا أمام حبل المشنقة، ثم ثوانٍ، وسأتذوق طعمه، وأشُم رائحته التي لطالما اشتممتها مَن هؤلاء الذين قتلتهُم، أخيرًا سأرى الموت الذي أذقتهُ لكثيرٍ مَن البشر.

لا أطلُب رحمته فيَّ فما فعلته أبشع من الذي قتل تسعة وتسعون نفس.. مَّا فعلته لا يوصف في بعض كلمات ولا في بعض من الجمل، أنا القانط من رحمتهُ، أنا المُخلد في جحيمه الابدي.

لفُ حبل المشنقة حول رقبتي، ووضع على وجهي تلك القماشة السوداء، وفي جزء من الثانية كُنت ضمن حسابات المتوفين لدى الدولة.
رفع رايتهُ السوداء وهو يتراقص نحوي.. رقصة لا يعرف ولا يدركها  إلا مَن ترجل نحو عشه الأسود.. روحي كانت تُريد العودة إلى ذلك البدن لعلي أتوب، لكن هيهات قد انتهت لُعبة الحياة وبدأ الجحيم بعينه.. لقد خسرت دُنياي وخسرت كل شيئ، لكني لا أعرف لماذا لازلتُ أأمل.. أنا فعلًا عندي أمل، لكنه أمل رائف بالصراط المستقيم فلطالما سرتُ على صراطٌ أعرج.

زياد فتحي

ليست هناك تعليقات